معظم الشركات التي تُتَّهم بممارسات الغسل الأخضر لم تكن تسعى أساساً إلى تضليل أحد. وهذه هي الجزئية التي غالباً ما تغيب عن النقاش. فالصورة الذهنية الشائعة لدى الكثيرين تتمثل في شركة تضع ملصق أخضر على عبواتها بينما تمارس في الواقع عكس ما تدّعيه، وهذا النوع موجود بالفعل. إلا أن الشكل الأكثر شيوعاً للغسل الأخضر يبدو مختلفاً تماماً. فهو قد يتمثل في تقرير استدامة استغرق إعداده أشهراً، وخضع لمراجعات متعددة من فرق مختلفة، وتمت مواءمته مع أحد الأطر المعترف بها دوليًا، لكنه رغم ذلك يبالغ في عرض ما تستطيع الجهة إثباته فعلياً.
وفي هذه الحالة، لا ترتبط المشكلة بالنية بقدر ما ترتبط بالمنهجية والعمليات المتبعة. وبالنسبة للجهات التي بدأت تتعامل بجدية أكبر مع تقارير الممارسات البيئية والاجتماعية والحوكمة (ESG)، فإن فهم هذا الفرق أصبح أمراً بالغ الأهمية.
الفجوة بين ما يُقال وما يمكن إثباته
يمكن تبسيط مفهوم الغسل الأخضر في سياق تقارير الاستدامة باعتباره الفارق بين ما تقوله الشركة في تقريرها وما تستطيع دعمه وإثباته بالأدلة والبيانات.
فعلى سبيل المثال، قد تعلن شركة التزامها بتحقيق للكربون بحلول عام معين، لكن عند التعمق في التقرير لا نجد منهجية واضحة لاحتساب الانبعاثات، أو نجد أنها تعتمد على تقديرات أولية لا يمكنها الصمود أمام أي مراجعة جديّة. الالتزام موجود في التقرير، لكن الأساس الذي يستند إليه غير موجود فعلياً.
وتظهر الفجوة نفسها في الإفصاحات الاجتماعية. فقد تُستبعد أعداد العاملين المتعاقدين من بيانات القوى العاملة، أو تُطبق التزامات حقوق الإنسان على الموردين المباشرين فقط، أو تُدمج أنواع مختلفة من الإنفاق المجتمعي ضمن رقم إجمالي واحد لإظهاره بصورة أكثر تأثيراً. وقد لا تكون هذه الممارسات مقصودة، لكنها غالباً ما تعكس الطريقة التي تم بها تنظيم عملية إعداد التقرير داخلياً، حيث يصبح الهدف هو استكمال التقرير بدلاً من اختبار مدى دقته ومتانته.
مواءمة الأطر ليست مرادفاً للمصداقية
هناك افتراض منطقي مفاده أن التقرير الذي يتوافق مع معايير المبادرة العالمية للتقارير (GRI)، أو يشير إلى توصيات فريق العمل المعني بالإفصاحات المالية المتعلقة بالمناخ (TCFD)، أو يتبع معايير مجلس معايير المحاسبة للاستدامة (SASB)، هو تقرير يتمتع بالمصداقية تلقائياً. فهذه الأطر تتسم بدرجة عالية من الصرامة، ومن الطبيعي أن يُفترض أن تطبيقها يؤدي إلى مخرجات موثوقة.
لكن المشكلة تكمن في أن هذه الأطر توضح للجهات ما ينبغي الإفصاح عنه، ولا تتحقق بالضرورة من دقة ما يتم الإفصاح عنه.
فقد يشير التقرير إلى معايير GRI في جميع أقسامه، بينما يتضمن بيانات لم تخضع للمراجعة، أو مستهدفات لا تستند إلى خطط تنفيذية حقيقية، أو إفادات نوعية لا يمكن لأي جهة داخل المؤسسة ترجمتها إلى إجراءات عملية. وهنا تكون مواءمة الإطار حقيقية، لكن التقرير قد يظل مضللاً.
وقد بدأت الجهات التنظيمية حول العالم تدرك هذا التحدي بشكل متزايد. ففي أوروبا، وإلى حد ما في الولايات المتحدة، تتجه منظومة التقرير تدريجياً من مجرد إلزام الجهات بالإفصاح إلى إلزامها بأن تكون إفصاحاتها قابلة للتحقق والتدقيق.
وهذا فرق جوهري؛ إذ ينقل سقف التوقعات من مجرد إصدار تقرير إلى القدرة على الدفاع عن محتواه وإثبات صحته.
وبالنسبة للجهات في المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي، فإن هذا التوجه لم يعد قضية مستقبلية. فتوقعات هيئة سوق المال بشأن الإفصاحات المتعلقة بالاستدامة تتطور باستمرار، كما أن العمل على مؤشرات الاستدامة الموحدة لدول المجلس يتقدم بوتيرة متسارعة، ومن المتوقع أن يؤدي الانتقال نحو الإفصاح الإلزامي إلى رفع مستوى التوقعات المتعلقة بجودة المحتوى ومضمونه. وعندها لن يكون التقرير المصمم بشكل جيد سوى نقطة البداية، وليس خط النهاية.
الأنماط التي تستحق المتابعة
عادةً ما تتكرر ممارسات الغسل الأخضر في تقارير الاستدامة ضمن عدد من الأنماط المعروفة، ومن المهم فهمها لأنها لا تتطلب بالضرورة وجود نية سيئة حتى تظهر.
التركيز على إفصاحات محددة: تميل الجهات بطبيعتها إلى التوسع في عرض المجالات التي تحقق فيها أداءً جيداً، بينما تتناول الجوانب الأقل قوة بإيجاز أكبر. وهذا أمر مفهوم، لكنه يؤدي إلى صورة أكثر إيجابية من الواقع الفعلي. فقد تخصص جهة تمتلك سجلاً قوياً في كفاءة الطاقة عدة صفحات لهذا الموضوع، بينما تكتفي بفقرة واحدة فقط عند الحديث عن تحدياتها المتعلقة بإدارة المياه.
المستهدفات دون مسارات تنفيذية: أصبحت التعهدات طويلة المدى المتعلقة بصافي الصفر وأهداف الاستدامة الأخرى أكثر شيوعاً من أي وقت مضى. لكن ما يزال من النادر العثور على معالم مرحلية واضحة، وخطط استثمارية محددة، وآليات مساءلة وحوكمة تجعل هذه التعهدات قابلة للتنفيذ. فالهدف الذي لا يرتبط بآلية واضحة لتحقيقه يظل أقرب إلى الطموح منه إلى الخطة العملية، ومع مرور الوقت يصبح من الصعب المحافظة على هذا الفارق.
تحديد النطاق بطريقة تؤدي إلى أرقام أفضل: تمتلك الجهات مساحة مشروعة لاتخاذ قرارات تتعلق بما يتم تضمينه ضمن نطاق التقارير وما يتم استبعاده، وهذه القرارات قد تؤثر بشكل كبير على النتائج النهائية. وتُعد انبعاثات النطاق الثالث (Scope 3) المثال الأكثر وضوحاً على ذلك، إلا أن المبدأ نفسه ينطبق على العديد من الإفصاحات الاجتماعية والحوكمية. وعندما يؤدي تحديد النطاق بشكل متكرر إلى استبعاد الجوانب الأعلى تأثيراً، فإن ذلك يصبح مصدر قلق بغض النظر عن كيفية تبريره أو شرحه.
ما الذي يحد فعلياً من مخاطر الغسل الأخضر؟
الشركات التي تدير هذا الملف بكفاءة عادة ما تتبع نهجين أساسيين.
أولاً، تتعامل مع مسألة التحقق من البيانات بجدية منذ المراحل المبكرة لإعداد التقرير، بدلاً من اعتبارها خطوة نهائية قبل النشر. فالبيانات التي يتم جمعها وفق منهجية محددة ويمكن تتبعها إلى مصدرها الأصلي تختلف جذرياً عن البيانات التي تم تجميعها فقط لاستكمال قالب إفصاح معين.
ثانياً، تربط تقرير الاستدامة بطريقة عمل الجهة ككل. فعندما تكون القضايا الجوهرية المحددة في التقرير مملوكة لجهات تشغيلية خارج فريق الاستدامة، ويتم تتبعها من خلال مؤشرات أداء فعلية، وتُناقش ضمن آليات الحوكمة والإدارة، فإن التقرير يعكس واقعاً مؤسسياً حقيقياً. أما عندما يُنتج التقرير بواسطة فريق واحد بمعزل عن بقية المؤسسة، فإن الفجوة بين ما يرد في التقرير وما يحدث على أرض الواقع تميل إلى الاتساع بمرور الوقت.
ولا يتطلب أي من هذين النهجين أن تصبح الشركة أكثر تحفظاً في ادعاءاتها، بل يتطلب فقط أن تكون تلك الادعاءات مستندة إلى أسس واضحة وقابلة للإثبات.
ما الذي يمكن توقعه مع تطور المعايير؟
شهدت أوروبا والولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة تزايداً ملحوظاً في إجراءات الرقابة والتنفيذ المرتبطة بالغسل الأخضر، والمنطق وراء ذلك بسيط نسبياً. فكلما أصبحت معلومات الاستدامة أكثر تأثيراً على قرارات الاستثمار والتمويل، ازدادت أهمية دقتها وموثوقيتها، وأصبحت محط اهتمام الجهات التنظيمية.
وتتجه المنطقة نحو المسار نفسه. فالأدوات التمويلية المرتبطة بمعايير الاستدامة أصبحت أكثر انتشاراً، كما أن المستثمرين باتوا يطبقون معايير أكثر منهجية في تقييم أداء الشركات في هذا المجال، بينما ترتفع التوقعات المرتبطة بجودة الإفصاحات عاماً بعد عام.
ولهذا ستكون الشركات التي استثمرت مبكراً في بناء البنية المؤسسية والبيانية اللازمة لإعداد تقارير موثوقة في موقع أفضل عندما تتحول هذه التوقعات إلى متطلبات إلزامية.
وربما تكون المقاربة الأكثر فائدة هي عدم النظر إلى الغسل الأخضر باعتباره مجرد فخ يجب تجنبه، بل باعتبار أن الانضباط المؤسسي المطلوب لتجنبه، من بيانات دقيقة، وتقييم الموضوعات الجوهرية بصدق، ومستهدفات مرتبطة بخطط تنفيذية حقيقية، هو ما يجعل تقارير الاستدامة أداة ذات قيمة حقيقية للجهة. فالشركات التي تصل إلى هذه المرحلة عادةً لا تكون قد ركزت على الأسئلة السهلة، بل طرحت على نفسها أسئلة أكثر عمقاً وصعوبة حول منهجياتها وعملياتها، ليس في نهاية دورة إعداد التقرير، بل خلال جميع مراحلها.

