إعداد تقارير الاستدامة في المملكة العربية السعودية: من الإفصاح الطوعي إلى ضرورة استراتيجية
Ghewa Ghtaimy|
منظور جديد لتقييم أداء الشركات
على مدى العقد الماضي، لم يعد تقييم أداء المؤسسات مقتصراً على النتائج المالية وحدها. فالمستثمرون والجهات التنظيمية والموظفون والمجتمعات المحلية باتوا يطرحون سؤالاً أكثر شمولاً: كيف يتم خلق القيمة؟ وما الأثر المترتب على المجتمع والبيئة في المقابل؟ وقد أدى هذا التحول إلى انتقال الممارسات البيئية والاجتماعية والحوكمة (ESG) من إطار المسؤولية المؤسسية التقليدية إلى قلب عملية اتخاذ القرار، وأصبحت تقارير الاستدامة الأداة الرئيسة لقياس هذا الأداء والتواصل بشأنه.
في جوهرها، تمثل تقارير الاستدامة إفصاحاً منهجياً عن كيفية إدارة الجهة لأثرها البيئي ومسؤولياتها الاجتماعية وممارسات الحوكمة لديها. فهي تحول الأداء غير المالي إلى معلومات قابلة للقياس والمقارنة، بما يدعم قرارات الاستثمار، ويعزز إدارة المخاطر، ويرفع من قدرة المؤسسات على تحقيق الاستدامة والمرونة على المدى الطويل. وبينما كانت تقارير الاستدامة في بداياتها أقرب إلى منشورات تعريفية ذات طابع سردي، أصبحت الإفصاحات اليوم أكثر اعتماداً على البيانات والمؤشرات والأهداف، وأكثر ارتباطاً بالاستراتيجية المؤسسية وخلق القيمة.
المنظومة العالمية لإعداد تقارير الاستدامة
جاء هذا التطور مدفوعاً بظهور عدد من الأطر والمعايير الدولية التي تؤدي أدواراً متكاملة ضمن منظومة الإفصاح العالمية.
تُعد المبادرة العالمية للتقارير (GRI) الإطار الأكثر انتشاراً على مستوى العالم، حيث تركز على آثار الجهة الاقتصادية والبيئية والاجتماعية، وتعزز مبادئ الشفافية والمساءلة تجاه مختلف أصحاب المصلحة، مما يجعلها نقطة الانطلاق للعديد من المؤسسات عند إعداد أول تقرير استدامة لديها.
أما فريق العمل المعني بالإفصاحات المالية المتعلقة بالمناخ (TCFD) فقد أسس الإطار الأكثر تأثيراً للإفصاح عن القضايا المناخية، من خلال التركيز على الحوكمة والاستراتيجية وإدارة المخاطر والمؤشرات والأهداف. ومع تزايد أهمية المخاطر المناخية، لم يعد الإفصاح المتوافق مع TCFD مجرد ممارسة رائدة، بل أصبح توقعاً أساسياً في الأسواق ولدى المستثمرين.
ومن جانب آخر، قدم مجلس معايير المحاسبة للاستدامة (SASB) منظوراً قطاعياً متخصصاً يساعد الجهات على تحديد موضوعات الاستدامة الأكثر تأثيراً على أدائها المالي. فالقضايا الجوهرية لشركة بتروكيماويات تختلف بطبيعتها عن تلك الخاصة بمصرف أو شركة اتصالات. وفي عام 2022، قامت مؤسسة المعايير الدولية للتقرير المالي (IFRS Foundation) بدمج SASB ضمن منظومتها، لتصبح منهجيته القطاعية جزءاً من الأساس الذي تستند إليه المعايير الدولية الناشئة للإفصاح عن الاستدامة.
كما تحرص العديد من الجهات على ربط أدائها بأهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، بما يضع مساهماتها ضمن إطار تنموي عالمي معترف به. وتكتسب هذه الممارسة أهمية خاصة في المملكة العربية السعودية في ظل التوافق الواضح بين رؤية المملكة 2030 والعديد من أولويات التنمية المستدامة العالمية.

السياق السعودي: سوق يشهد تحولاً متسارعاً
تشهد المملكة العربية السعودية تحولاً متسارعاً في مجال الاستدامة. وقد بدأت ملامح هذا التحول بالتشكل منذ عام 2019 عندما أصدرت هيئة سوق المال إرشادات طوعية للإفصاح عن الممارسات البيئية والاجتماعية والحوكمة، ثم تبعتها تداول السعودية في عام 2021 بإطار الإفصاح الخاص بها، بهدف مساعدة الشركات المدرجة على تحديد الموضوعات الجوهرية، واختيار الأطر الدولية المناسبة، وتحسين جودة الإفصاحات واتساقها.
ومنذ ذلك الحين، أصبحت الرسائل الصادرة عن الجهات التنظيمية والأسواق أكثر وضوحاً. ففي يناير 2023، أطلقت لجنة أسواق رأس المال الخليجية ، برئاسة تداول السعودية، مجموعة موحدة تضم 29 مؤشراً للإفصاح عن الممارسات البيئية والاجتماعية والحوكمة للشركات المدرجة في المنطقة، تغطي انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، واستهلاك الطاقة والمياه، والتنوع بين الجنسين، ومعايير الحوكمة. ورغم أن هذه المؤشرات لا تزال طوعية، فإنها تمثل خطوة مهمة نحو تعزيز قابلية المقارنة بين الشركات على مستوى المنطقة، وترفع سقف التوقعات بشأن الإفصاح الموثوق. وفي العام نفسه، أطلقت تداول السعودية مؤشراً مخصصاً للاستدامة، ليشكل معياراً مرجعياً لقياس أداء الشركات المدرجة في هذا المجال.
إلا أن رؤية السعوية 2030 تظل المحرك الأهم لهذا التحول،**.** فقد وضعت الاستدامة والتنمية الاجتماعية والحوكمة ضمن الركائز الأساسية لمسيرة التحول الوطني، بما يعزز جاذبية المملكة للمستثمرين الدوليين والشركاء العالميين، ويرسخ أسس التنمية طويلة الأمد. كما يساهم صندوق الاستثمارات العامة في تعزيز هذا التوجه من خلال دمج معايير الاستدامة في قراراته الاستثمارية وممارساته المؤسسية.
وبالتالي، فإن الاستدامة لم تعد بالنسبة للشركات السعودية مجرد استجابة لمتطلبات خارجية أو توجهات عالمية، بل أصبحت جزءاً من التوجه الاستراتيجي الذي تتبناه المملكة على مستوى السياسات والاستثمارات والتنمية الاقتصادية.
ورغم أن التبني لا يزال في مراحله الأولى، فإن المؤشرات تعكس نمواً متسارعاً. ففي عام 2023، نشرت نحو 13 شركة فقط من أصل 217 شركة مدرجة قد تقارير استدامة رسمية. ومع حلول نهاية عام 2024، ارتفع هذا العدد إلى 94 شركة، مع إفصاح ما يقارب 65% من شركات المؤشر العام السعودي (TASI) من حيث الإيرادات عن مؤشرات الاستدامة، وهو ما يعكس تنامي الوعي بأهمية الإفصاح، وإن كانت مستويات النضج وجودة التقارير لا تزال متفاوتة بين الشركات.
رواد التبني يرسمون ملامح المرحلة المقبلة
برزت خلال السنوات الأخيرة مجموعة من الشركات السعودية التي سبقت السوق في تبني ممارسات الإفصاح عن الاستدامة، وأصبحت تجاربها تمثل نماذج مرجعية لبقية الجهات.
أرامكو السعودية تنشر تقارير استدامة شاملة تغطي استراتيجية المناخ وتنمية رأس المال البشري وممارسات الحوكمة بشكل متكامل. كما تركز مجموعة stc على الموضوعات الأكثر ارتباطاً بطبيعة أعمالها، مثل الشمول الرقمي وحماية البيانات والكفاءة البيئية. وقد نجح مصرف الراجحي في مواءمة تقاريره مع معايير المبادرة العالمية للتقارير (GRI) وإرشادات الإفصاح الصادرة عن تداول السعودية، بما يؤكد إمكانية تقديم إفصاحات قابلة للمقارنة عالمياً ضمن السياق المحلي. أما سابك، فقد دمجت مؤشرات الاستدامة ضمن منظومة الإفصاح المؤسسي الشاملة لديها، في مؤشر واضح على نضج الممارسات وتحول الاستدامة إلى جزء من إدارة الأداء المؤسسي.
وما يميز هذه التجارب ليس حجم المعلومات المفصح عنها، بل الدور الذي تؤديه تقارير الاستدامة في دعم اتخاذ القرار. فالإفصاح لم يعد غاية بحد ذاته، بل أداة لتعزيز الحوكمة، وتحسين إدارة المخاطر، ودعم الاستراتيجية، وبناء الثقة مع المستثمرين وأصحاب المصلحة.
من الإفصاح إلى بناء القدرات الاستراتيجية
لا يزال إعداد تقارير الاستدامة في المملكة العربية السعودية قائماً في معظمه على أساس طوعي، إلا أن الاتجاه العام يشير بوضوح إلى تحول تدريجي نحو مستويات أعلى من التنظيم والإلزامية. ومع تقارب المعايير الدولية وتزايد اهتمام المستثمرين العالميين بأداء الشركات في مجالات الاستدامة، تبرز أهمية بناء قدرات مؤسسية متكاملة في هذا المجال.
وستكون الجهات التي بدأت بالفعل في دمج تقارير الاستدامة ضمن منظومات الحوكمة وإدارة الأداء في موقع أكثر جاهزية من غيرها للتعامل مع المتطلبات المستقبلية والاستفادة من الفرص المرتبطة بها. فالجهات التي تبادر اليوم إلى تطوير البنية التحتية للبيانات، وتعزيز هياكل الحوكمة، وتطبيق منهجيات تحديد الموضوعات الجوهرية، لن تقتصر مكاسبها على الامتثال للمتطلبات المستقبلية فحسب، بل ستحول الإفصاح عن الاستدامة إلى أداة استراتيجية تسهم في تعزيز تنافسيتها وتحقيق قيمة مستدامة على المدى الطويل.
